ابن عجيبة

462

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قال ابن عطية : ركوب البحر وقت حسن الظن به للجهاد والحج متفق على جوازه ، وكذا لضرورة المعاش بالصيد ويتصرف للتجر ، وأما ركوبه لطلب الدنيا والاستكثار فمكروه عند الأكثر . قلت : ما لم يكن لبلد تجرى فيه أحكام الكفار على المسلمين وإلّا حرم . ثم قال : وأما ركوبه وقت ارتجاجه فممنوع ، وفي الحديث : « من ركب البحر في ارتجاجه فقد برئت منه الذمة » وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « البحر لا أركبه أبدا » . وعن علي - كرم اللّه وجهه - أنه قال : لولا هذه الآية ، لضربت عنق من يركب البحر . فقال ابن عباس : إني لأعلم كلمات من قالهن عند ركوب البحر وأصابه عطب فعلىّ ديته ، قيل : وما هي ؟ قال : اللهم يا من له السماوات خاشعة ، والأرضون السبع خاضعة ، والجبال الراسية طائعة ، أنت خير حفظا وأنت أرحم الراحمين ، وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ « 1 » صلى اللّه على محمد النبي المصطفى ، وعلى أهل بيته ، وأزواجه وذريته ، وعلى جميع النبيين والمرسلين ، والملائكة المقربين ، وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ « 2 » . قال بعض الفضلاء : جربته فصح . ه . ثم قال تعالى في وصف الكفار عند إحاطة البحر بهم : دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ من غير إشراك ؛ لتراجع الفطرة وزوال المعارض من شدة الخوف ، قائلين : لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ الشدة لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ، فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إجابة لدعائهم إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بالكفر والمعاصي ، بِغَيْرِ الْحَقِّ أي : سارعوا إلى ما كانوا عليه من البغي والفساد في الأرض بغير الحق ، واحترز بقوله : بِغَيْرِ الْحَقِّ عن تخريب المسلمين ديار الكفرة ، وإحراق زروعهم ، وقلع أشجارهم ، فإنها إفساد بحق . قاله البيضاوي . قلت : وفي كونه بغيا نظر ، والأظهر أن قوله : بِغَيْرِ الْحَقِّ تأكيد لا مفهوم له . يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ فإن وباله عائد عليكم ، أو على أبناء جنسكم ، وذلك مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا تتمتعون به ساعة ، ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ في القيامة ، فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بالجزاء عليه . الإشارة : وإذا أذقنا الناس حلاوة المعرفة والعلم ، بعد ضرر الجهل والغفلة ، إذا لهم مكر في آياتنا وهم الأولياء والمشايخ ، الذين فتح اللّه بسببهم عليهم - بالطعن عليهم والانتقال عنهم ، كما يفعله بعض المريدين ، أو جلّ طلبة

--> ( 1 ) الآية 67 من سورة الزمر . ( 2 ) الآية 41 من سورة هود .